الثقافة·May 20, 2026
الثقافة

فجوة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في اقتصاد صنّاع المحتوى: من يملك المنظومة في المنطقة؟

تستثمر السعودية والإمارات مليارات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. لكن أدوات اقتصاد صنّاع المحتوى تبقى مملوكة أجنبياً. من يملأ الفجوة؟

يعمل اقتصاد صنّاع المحتوى في المنطقة بذكاءٍ اصطناعي أجنبي. فكل أداة توليد محتوى، وكل جناح مونتاج، وكل لوحة تحليلات يفتحها صانع محتوى في الرياض أو القاهرة لأداء عمله، مبنيةٌ على يد شركةٍ مقرّها سان فرانسيسكو أو سياتل أو تل أبيب. لا توجد بيانات مسح تقيس هذا الاعتماد. وفجوة البحث هي بحدّ ذاتها المغزى. لم يقسها أحد لأن لا أحد في المنطقة عامَل أدوات صنّاع المحتوى كبنيةٍ تحتية تستحق القياس.

المخاطرة البنيوية هي نفسها التي حدّدت علاقة المنطقة بشركات التقنية الكبرى طوال عقد. فصنّاع المحتوى يعتمدون على منصاتٍ لا يتحكمون فيها للتوزيع وتحقيق الدخل. والآن يعتمدون على أدوات ذكاءٍ اصطناعي لا يتحكمون فيها للعمل نفسه. الفرق: المنطقة تستثمر أخيراً في سيادة الذكاء الاصطناعي. والسؤال هو ما إذا كان ذلك الاستثمار سيصل إلى اقتصاد صنّاع المحتوى قبل أن يصبح الاعتماد أزمة.

طموحٌ على مستوى الدولة، وإهمالٌ على مستوى صانع المحتوى

جعلت السعودية سيادة الذكاء الاصطناعي أولويةً وطنية. وكما أفاد نيرمال نارايانان في «عرب نيوز» في 26 مايو، قرّر مجلس الوزراء السعودي في مارس 2026 إعلان 2026 عام الذكاء الاصطناعي، مؤكّداً تسارع التحول التقني في المملكة وموقعه كرافعةٍ رئيسية للتنويع الاقتصادي. ومحور هذه الاستراتيجية شركة «هيومن»، وهي شركة ذكاءٍ اصطناعي أُطلقت عام 2025 لدعم الابتكار المحلي، وتطوير الملكية الفكرية، واستقطاب المواهب والاستثمارات العالمية في الذكاء الاصطناعي، بحسب تقرير نارايانان.

الطموح حقيقي. قال ريمون خوري، الشريك ورئيس ممارسة القطاع العام في Arthur D. Little الشرق الأوسط، لـ«عرب نيوز» إن في صميمها تقف «هيومن»، التي تبرز كقوة ذكاءٍ اصطناعي وطنية عبر البنية التحتية والتطبيقات وتمكين القطاعات. وقال خوري إن «هيومن» تملك إمكانية العمل كمحرّك تنفيذ نشر الذكاء الاصطناعي، موفّرةً العمود الفقري الحوسبي والمنصات والحلول التي تترجم الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة.

وتتبع الإمارات مساراً موازياً عبر رأس المال. أفاد كودي كومبس في «ذا ناشيونال» في 29 مايو بأن شركة MGX من أبوظبي روّجت لمشاركتها في جولة تمويل Anthropic من الفئة H البالغة 65 مليار دولار، التي قدّرت قيمة Anthropic بـ965 مليار دولار.

هذه استثماراتٌ جادّة. تستهدف البنية التحتية المؤسسية، والأعمدة الفقرية الحوسبية، وشركات الذكاء الاصطناعي العالمية. لكنها لا تستهدف الأدوات التي يستخدمها صانع محتوى لتحرير فيديو، أو توليد صورة مصغّرة، أو تحليل احتفاظ الجمهور. فاقتصاد صنّاع المحتوى ليس قطاعاً يبدو أن «هيومن» أو MGX مصمَّمتان لخدمته.

فخّ السيادة: استخدام الذكاء الاصطناعي مقابل التحكم به

يدرك قادة الخليج الفرق بين الاستهلاك والتحكم. قال شاليف هوليو، المؤسِّس المشارك لشركة Dream، لـ«غلف نيوز» في 26 مايو إن هناك فرقاً هائلاً بين استخدام الذكاء الاصطناعي والتحكم به. فدولٌ كثيرة تتبنّى أدوات الذكاء الاصطناعي. وقليلٌ جداً منها يبني قدرة ذكاءٍ اصطناعي سيادية.

قال هوليو لـ«غلف نيوز» إن التحدّي الحقيقي ليس بناء عروضٍ مبهرة. إنه نشر الذكاء الاصطناعي داخل أنظمة التشغيل الفعلية لدولةٍ بأمانٍ وموثوقية. وقال إن الإمارات تفهم هذا التمييز جيداً. فدولٌ كثيرة تعلن استراتيجيات ذكاءٍ اصطناعي. والإمارات تفعّلها. وقال إن الجيل القادم من الاقتصادات الرقمية الرائدة سيحتاج إلى تطوير قوةٍ عبر ثلاث ركائز استراتيجية: الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمّية.

الفخّ هو أن حتى السيادة المفعّلة قد تترك صنّاع المحتوى معتمدين. فقوة ذكاءٍ اصطناعي وطنية مثل «هيومن» تستطيع بناء عمودٍ فقري حوسبي يعمل على بنيةٍ تحتية محلية. لكن إذا كانت التطبيقات العاملة على ذلك العمود الفقري لا تزال مملوكة أجنبياً — إذا كانت أداة المونتاج لدى صانع المحتوى لا تزال منتجاً أمريكياً، مستضافاً فقط في مركز بياناتٍ بالرياض — فالتحكم يبقى في مكانٍ آخر. المنظومة سياديةٌ في طبقتها السفلى وأجنبيةٌ في أعلاها. وبالنسبة لصانع المحتوى، الطبقة العليا هي الوحيدة التي تهمّ.

ما يحتاجه صنّاع المحتوى: ذكاءٌ اصطناعي واعٍ ثقافياً، لا روبوتات محادثة مترجمة

الحاجة المحددة غير الملبّاة ليست قوة الحوسبة. إنها الذكاء الثقافي.

صانع محتوى في المنطقة يعمل بالعربية لا يحتاج إلى نموذجٍ عام يتعامل مع العربية الفصحى الحديثة بشكلٍ مقبول ويتعثّر مع اللهجات المصرية والشامية والخليجية والمغاربية التي تظهر فعلاً في محتواه. إنه يحتاج إلى نموذجٍ يفهم النكتة، والمرجعية الثقافية، والتبديل بين اللغتين. يحتاج إلى أدواتٍ توصي بتعديلاتٍ بناءً على ما ينجح فعلاً في سوقه، لا ما ينجح في لوس أنجلوس.

لا تملأ أي مبادرة حكومية حالية هذه الفجوة. فتفويض «هيومن»، كما وصفه خوري في «عرب نيوز»، هو البنية التحتية والتطبيقات وتمكين القطاعات على المستوى المؤسسي. واستثمار MGX في Anthropic، بحسب كومبس في «ذا ناشيونال»، رهانٌ مالي على ذكاءٍ اصطناعي عام لشركةٍ أمريكية. ولا أيٌّ منهما يبني الذكاء الاصطناعي الناطق بالعربية والخاص بصنّاع المحتوى الذي تحتاجه منظومة المحتوى في المنطقة.

الفجوة ليست تقنية. فالنماذج الأساسية موجودة. والبيانات موجودة — ملايين الساعات من المحتوى الإقليمي على منصاتٍ يمكن الترخيص منها أو التدريب عليها. ما ينقص هو قرار المنتج ببناء أدواتٍ لصنّاع المحتوى بدلاً من عملاء المؤسسات.

فرصة المصدر المفتوح: بناء منظومة ذكاءٍ اصطناعي يملكها صنّاع المحتوى

تخلق دفعة السيادة منفذاً يستطيع صنّاع محتوى المنطقة وشركاتها الناشئة استغلاله. فإذا كانت حكومات المنطقة جادّة في بناء قدرة ذكاءٍ اصطناعي سيادية، كما قال هوليو لـ«غلف نيوز»، فإن البنية التحتية التي تبنيها يمكن أن تكون أساساً لأدوات يملكها صنّاع المحتوى. فالعمود الفقري الحوسبي الذي توفّره «هيومن»، كما وصف خوري في «عرب نيوز»، يستطيع استضافة نماذج مفتوحة المصدر مضبوطة على المحتوى الإقليمي.

الفرصة هي أن تبني شركةٌ ناشئة من المنطقة طبقة الذكاء الاصطناعي لصنّاع المحتوى التي لا تبنيها المبادرات الحكومية. أداة مونتاج تفهم اللهجات العربية. منصة تحليلات تقيس ما يهمّ في الأسواق الإقليمية. أداة توليد محتوى مدرَّبة على الثقافة البصرية واللغوية الفعلية للمنطقة. هذه المنتجات لا تتطلب تقييماً بـ965 مليار دولار. بل تتطلب البنية التحتية الحوسبية التي تُبنى، والمعرفة الثقافية التي لا تستطيع أي شركة أجنبية تكرارها.

البنية التحتية التي تُبنى للسيادة المؤسسية يمكن أن تكون أساساً لأدوات يملكها صنّاع المحتوى، إن بنى أحدٌ الطبقة التي تربط بينهما.

البديل هو الوضع الافتراضي. يواصل صنّاع المحتوى استخدام أدواتٍ أجنبية. وتتدفق البيانات من كل فيديو، وكل تعديل، وكل رؤية جمهور إلى خوادم خارج المنطقة. والنماذج التي تتعلم من تلك البيانات تعود لشركاتٍ لا تعطي الأولوية للمحتوى العربي أو لصنّاع المحتوى الإقليميين. ويتعمّق الاعتماد بينما ينمو استثمار السيادة.

صنّاع المحتوى الذين سيزدهرون في العقد القادم هم من يفهمون أن خيارات أدواتهم خياراتُ بنيةٍ تحتية. فصانع المحتوى الذي يبني سير عمله على ذكاءٍ اصطناعي مفتوح المصدر وواعٍ ثقافياً يحتفظ بالتحكم في بياناته واستقلاله. أما من يستأجر أدواته من شركةٍ أجنبية فيبني خندق دفاع شخصٍ آخر.

أكبر استثمارات المنطقة في الذكاء الاصطناعي تستهدف البنية التحتية المؤسسية والشركات العالمية. وأكبر اقتصاد صنّاع محتوى في المنطقة يعمل بأدواتٍ أجنبية. والفجوة بين هاتين الحقيقتين هي الفرصة.